أبي هلال العسكري
374
الصناعتين ، الكتابة والشعر
وكتب رجل إلى أخ له : أما بعد ، فقد أصبح لنا من فضل اللّه تعالى ما لا نحصيه ، ولسنا نستحي من كثرة ما نعصيه ، وقد أعيانا شكره ، وأعجزنا حمده ، فما ندري ما نشكر : أجميل ما نشر ، أم قبيح ما ستر ، أم عظيم ما أبلى ، أم كثير ما عفا ، فاستزد اللّه من حسن بلائه بشكره على جميع آلائه . فقوله : « فما ندري ما نشكر » تذييل لقوله « قد أعيانا شكره » . وكتب سليمان بن وهب لبعضهم : بلغني حسن محضرك ، فغير بديع من فضلك ، ولا غريب عندي من برّك ؛ بل قليل اتّصل بكثير ، وصغير لحق بكبير ؛ حتى اجتمع في قلب قد وطّن لموتك ، وعنق قد ذلّلت لطاعتك ، ونفس قد طبعت على مرضاتك ؛ وليس أكثر سؤلها ، وأعظم إربها ، إلا طول مدتك ، وبقاء نعمتك ، قوله : « فغير بديع من فضلك ولا غريب عندي من برك » تذييل لقوله : « بل قليل اتصل بكثير ، وصغير لحق بكبير » فأكد ما تقدم . [ مثاله ] من المنظوم ومن المنظوم قول الحطيئة « 1 » : قوم هم الأنف والأذناب غيرهم * ومن يقيس « 2 » بأنف الناقة الذنبا فاستوفى المعنى في النّصف الأول ، وذيّل بالنصف الثاني . وقول الآخر : فدعوا نزال فكنت أول نازل * وعلام أركبه إذا لم أنزل وقول طرفة « 3 » : لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى * لكالطّول المرخى وثنياه باليد « 4 » فالنصف الآخر تشبيه وتذييل . وقول أبى نواس : عرم الزمان على الذين عهدتهم * بك قاطنين وللزمن عرام « 5 » قوله : « وللزمان عرام » تذييل .
--> ( 1 ) ديوانه : 7 . ( 2 ) في الديوان : « ومن يسوى » . ( 3 ) المعلقات : 86 . ( 4 ) الطول : الحبل . وثنياه : ما ثنى منه . ( 5 ) العرام : الشدة والأذى .